‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصر أكتوبر 1973م. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصر أكتوبر 1973م. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 أكتوبر 2010

أكتوبر وذاكرة الوطن

أكتوبر‏..‏ وذاكرة الوطن



بقلم: فاروق جويدة






من المستحيل أن تعيش الشعوب علي حاضرها فقط بكل ما قد يحمله من مظاهر الضعف والاستكانة‏,‏ ولكن الشعوب الحية تحافظ علي تاريخها في وجدان الأجيال جيلا بعد جيل تستمد منه القوة والإرادة في مواجهة الأزمات‏..






‏ وفي بعض الأحيان تتراخي ذاكرة الشعوب وتصيبها أمراض كثيرة في مقدمتها زهايمر التاريخ فتري انتصاراتها أشباحا معلقة علي الجدران‏..‏ وتري أمجادها أطيافا تتزاحم علي الأركان‏..‏ وتري الحياة من ثقب صغير يضيق مع الأيام حتي يصبح الأمس ظلالا‏..‏ وتصبح الأمجاد مجرد خاطر عبر‏..‏


كنت أجلس مع صديق قديم شارك في حرب أكتوبر المجيدة ومازال أستاذا بإحدي كليات القمة في العلوم الإنسانية قال لي بحزن شديد في الأسبوع الماضي شعرت بحنين جارف أن أتحدث مع طلابي عن حرب أكتوبر التي عشنا معها أعظم انتصاراتنا ووجدت في نفسي رغبة شديدة أن أحكي معهم بعض ذكرياتي في هذه الأيام العظيمة‏,‏ وللأسف الشديد فوجئت وأنا أسأل الطلاب وأتحاور معهم أنهم لا يعرفون شيئا عن حرب أكتوبر‏..‏ لا يعرفون تاريخا ولا رموزا ولا شهداء‏..‏ وحتي الأحداث السياسية التي دارت في هذا الوقت لم يقرأوا شيئـا عنها‏..‏ كان صديقي هذا واحدا من الجنود الذين قاتلوا في حرب أكتوبر وكنا يومها شبابا قهرتهم أحزان النكسة وعادت لهم الحياة مع تباشير النصر‏..‏


بدأت ذكري أكتوبر الحدث والتاريخ تنسحب من حياتنا عاما بعد عام‏,‏ بدأت بعدد من الأوبريتات الفنية السريعة وانتهت ببعض الذكريات التي يرويها الرجال الذين شاركوا فيها ومازالوا علي قيد الحياة‏..‏


مرات كثيرة طلب الرئيس مبارك‏,‏ وهو يجتمع مع الفنانين والمثقفين كان أخرها في الأسبوع الماضي‏,‏ بأن نقدم عملا فنيا كبيرا يجسد هذا النصر العظيم‏..‏ ولكن يبدو أن المسئولين عندنا تبهرهم أشياء أخري غير أكتوبر وتغريهم احتفاليات أكثر صخبا وأسفارا وأرباحا‏..‏ ومكاسب ابتداء بزهرة وأزواجها المائة وانتهاء باحتفالية الألفية الشهيرة منذ سنوات عند سفح الهرم لفنان فرنسي مغمور‏..‏


لا يستحق أكتوبر في رأي المسئولين عن عقل وذاكرة مصر عملا فنيا كبيرا‏,‏ فقد مضي الحدث والحاضر أفضل من الماضي والحي أبقي من الميت والشهداء الآن في رحاب الخالق سبحانه وتعالي وحتي ليالي رمضان الشهر المبارك أصبحت في حاجة إلي الأنس والفرفشة وليست في حاجة إلي العبادة والصلوات واستعادة صور لشهداء رحلوا أو أحياء لا يذكرهم أحد‏..‏


طلاب الجامعات لا يعرفون شيئـا عن حرب أكتوبر‏,‏ ماذا نسمي هذا‏!,‏ أنها جريمة مشتركة يتحمل مسئوليتها أمام الله والوطن ثلاث مؤسسات رسمية هي التعليم والإعلام والثقافة‏..‏ لقد شوهت وزارة التربية والتعليم تاريخ مصر وإذا بحثت عن حرب أكتوبر في كتب التاريخ في معظم مراحل التعليم فهي لا تتجاوز سطورا قليلة‏..‏ ومن أين يقرأ أبناؤنا التاريخ وما هي مصادرهم‏..‏ لا يوجد برنامج ثقافي تليفزيوني محترم يخاطب عقول المصريين ويعيد معهم ذكريات النصر‏..‏ ولا توجد ندوة تناقش حرب أكتوبر‏..‏ وحتي الندوات تتم في السر كأنها أعمال ضد القانون فلا يعرف عنها أحد شيئـا‏..‏ إذا كان متحف محمود خليل المسروق يزوره في اليوم تسعة أشخاص منهم اثنان فقط من المصريين فأين ستكون حرب أكتوبر في ذاكرة هذا الشعب‏..‏ ثلاثية الضياع في هذا البلد هي التعليم والإعلام والثقافة‏..‏ هي التي قدمت أجيالا مشوهة لا تعرف تاريخها ولا تذكر ماضيها‏,‏ ثم بعد ذلك نتباكي علي غياب الانتماء وفقدان الهوية‏..‏


والسؤال الأخطر الآن‏..‏ ماذا بقي في حياة المصريين من روح أكتوبر‏..‏ ماذا بقي من هذا الأداء العبقري‏..‏ وهذه الملحمة التي مازالت تدرسها مراكز الأبحاث والجامعات في العالم عن عبقرية الجيش المصري الذي حقق هذا النصر‏..‏


‏<‏ في دقائق قليلة انطلقت في سماء سيناء‏220‏ طائرة مصرية تدمر مراكز العدو وغرف القيادة ومراكز الاتصال واندفعت حشود الجيش المصري علي امتداد‏150‏ كيلومترا شرق القناة وفي وقت واحد كان‏2000‏ مدفع يطلقون‏121‏ ألف قذيفة في أقل من ساعة زمن‏..‏ وأغلقت القوات الخاصة مواسير النابالم وأزالت‏15‏ ألف متر مكعب من الرمال لتمهد لعبور الدبابات وفي ساعات قليلة كان تركيب الكباري التي عبرت عليها مدرعات جيش مصر لنجد‏800‏ دبابة شرق القناة لتشهد سيناء واحدة من أشرس معارك الدبابات في التاريخ العسكري في العصر الحديث‏..‏ وفي ليلة‏9‏ و‏10‏ أكتوبر كانت إسرائيل قد خسرت‏850‏ دبابة‏..‏


هذه هي روح مصر وجيش مصر في لحظة تاريخية لم نمسك بها لتكون طريقنا نحو المستقبل‏..‏ من يصدق أن هذه الأرض التي شهدت هذا التحدي وهذه المعجزة تقف الآن حائرة أمام طوابير الخبز ونار الأسعار وانقطاع الكهرباء وزواج السلطة ورأس المال‏..‏


‏<‏ في ساعة العبور اختلطت دماء المصريين فلم يفرق التراب وهو يحتضن الشهداء بين غني وفقير وبين مسلم ومسيحي وبين سكان الزمالك وسكان منشية ناصر‏..‏ كان الوطن لنا جميعا‏..‏ وكان العدل لم يزل صارما وهو يقف كالصراط المستقيم بين أبناء الشعب الواحد‏..‏ إن هذه الصورة تختلف تماما عن صورتنا اليوم فلا البشر هم البشر ولا الأماكن هي الأماكن ولا ميزان العدل هو نفس الميزان‏..‏ انقلبت الخريطة الاجتماعية في مصر بين سكان المنتجعات وضحايا العشوائيات‏..‏ بين من استباحوا كل شيء ابتداء بدماء الشهداء ومن لم يأخذوا أي شيء غير نار الأسعار وصفقات السماسرة‏..‏


في حرب أكتوبر لم تسجل مراكز الشرطة المصرية طوال أسبوعين جريمة واحدة في مصر كلها‏..‏ والآن لا يخلو صباح يمر علي المصريين دون أن تفاجئهم عشرات بل مئات الجرائم علي صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون ما بين القتل والنهب والسرقة‏..‏


‏<‏ حين اختلطت دماء الشهداء وهي تعانق تراب سيناء كانت الأرض لهم جميعا وكانوا يشعرون أن كل نقطة دم سالت وحررت شبرا هي وثيقة حب وعهد بين الشهيد وأرضه‏..‏ ماذا تقول الآن دماء الشهداء في سيناء وهي تري أن كل ما أقيم فيها بعد تحريرها مجموعة مزارات سياحية علي الشاطيء الأزرق لعدد من الأشخاص لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة وبقيت الرمال تروي قصة رجال عبروا واستشهدوا لتسرق دماءهم الذكية مجموعة من سماسرة السياحة وبوتيكات البازارات والملاهي الليلية‏..‏


‏<‏ في حرب أكتوبر اجتمعت إرادة جيش عظيم مع شعب يدرك مسئولياته ويعرف شيئـا أسمه تراب الوطن‏..‏ كان كل مصري سواء كان مدنيا أو عسكريا علي استعداد لأن يموت في سبيل هذا التراب‏,‏ ولم يكن هذا التراب حتي هذه اللحظة مجرد مزادات لبيع الأراضي للقادرين والمغامرين وجهابذة الحزب الوطني ولكنه كان الوطن بكل ما تعنيه الكلمة من الجذور والهوية والانتماء‏..‏ اختلطت الأوراق ولم نعد نفرق بين تراب ينبغي ألا يباع وتراب تحول إلي دراهم في أيدي المزايدين والتجار‏..‏


‏<‏ في حرب أكتوبر كانت مصر فقيرة في مالها ولكنها كانت غنية برجالها وتضحيات أبنائها‏..‏ ولم يكن السعار المادي الرهيب قد أفسد كل شيء في حياتنا‏..‏ كانت قوة الإنسان المصري في قدرته‏..‏ وأصبحت الآن في دفتر شيكاته كان تميزه في صدق انتمائه وتفوقه والآن صارت عبقريته في رصيد علاقاته وما نهب من أموال‏..‏ أصبحنا الآن وقد أصابتنا لعنة المال نلهث وراء كل شيء وبعد أن كنا ندافع ونموت في سبيل الوطن أصبحنا نموت في سبيل القرش‏..‏


‏<‏ في حرب أكتوبر تعانق الصليب مع الهلال وفي خندق واحد وقف محمد وعيسي وكلاهما يحمل وسام جيش مصر العظيم‏,‏ الجميع كان يكبر ويطلب النصر من الخالق سبحانه وتعالي‏..‏ وارتفعت أصوات المآذن وأجراس الكنائس في لحظة تجاوزت حدود كل شيء‏..‏ كنا ندافع عن وطن عزيز اسمه مصر حينما كانت لنا جميعا ولم تكن قد تعرضت لعملية خطف سريعة في لحظة دامية‏..‏ والآن هل يعقل أن تشتبك الأيدي التي تعانقت بالأمس‏..‏ هل يعقل أن الدماء التي توحدت في لحظة عشق لهذا التراب يمكن أن تتصارع‏..‏ هل يمكن أن اختلف مع جاري وأنا لم أفكر يوما هل هو مسيحي أم مسلم‏..‏ كانت قدسية الوطن أكبر من خلافات العقائد وكان تراب الوطن يوحدنا في كل شيء حين نسجد عليه في لحظة إيمان صادق‏..‏ حين نسجد أو نموت أو نعانق هذا التراب لا يسألنا هل كنا من أتباع عيسي أم من أتباع محمد‏..‏


‏<‏ إن أكتوبر يسألنا الآن بعد ثلاثين عاما ماذا صنعتم بالسلام‏..‏ وماذا أخذتم من دماء الشهداء‏..‏ كان المفروض أن تكون ثمار السلام والاستقرار والرخاء لنا جميعا وليس لمجموعة أشخاص أقاموا تشكيلا عصابيا واستولوا علي كل شيء‏..‏ كان ينبغي أن يكون توزيع الثمار عادلا ولكن الشيء الغريب أن الفقراء ازدادوا فقرا وأن الأغنياء ازدادوا سفها‏..‏


أعود إلي حيث بدأت أن انتصار أكتوبر ليس من حق وزراء التعليم والثقافة والإعلام حتي يشوهوا ذاكرة هذا الوطن ويتجاهلوا حدثـا من أعظم أحداثه‏..‏ أن هذا النصر ملحمة جيش عظيم وإرادة شعب حي ولحظة تاريخية جاءت خارج السياق وخارج الزمن‏..‏ وإذا كان الرئيس مبارك قد طلب من المسئولين والمثقفين والفنانين عملا فنيا كبيرا عن نصر أكتوبر فإنني أتصور أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تؤتمن علي هذا العمل هي جيش مصر حتي يبقي في ذاكرة هذا الوطن‏..‏


في مصر مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية من الخطأ أن تؤتمن علي ذاكرة هذا الشعب بعد أن فشلت في حماية تراثه وتاريخه‏..‏


لقد فسدت منظومة التعليم والإعلام والثقافة بحيث أنها فقدت القدرة علي أن تميز بين فنون وثقافات تبني شعوبا وعقولا وتصنع تاريخا وفنون أخري للتجارة والتسلية وضياع الوقت في الأنس والفرفشة‏..‏ وتفتح أرصدة في البنوك‏..‏


أن ثقافة المزادات والصفقات والمنشآت لا يمكن أن تقدر قيمة حدث في حجم إنجاز أكتوبر العظيم ولهذا فإن الجيش أولي بنصره وأحق بأن يحمي ذاكرة هذا الوطن فهي آخر ما بقي لنا أمام سماسرة الأراضي وباعة التاريخ‏..‏



الأربعاء، 6 أكتوبر 2010

من دروس حرب أكتوبر

من دروس حرب أكتوبر

بقلم د. حسن نافعة ٦/ ١٠/ ٢٠١٠
فى مثل هذا اليوم من عام ١٩٧٣، وتحديدا فى تمام الساعة الثانية إلا خمس دقائق ظهرا، جرت أحداث صنعت ما يشبه المعجزة. فقد بدأ الجيش المصرى عبوره العظيم نحو الضفة الشرقية للقناة، وشرع فى تحطيم خط بارليف، ثم راح يواصل زحفه فى اتجاه سيناء. فى اللحظة نفسها بدأ الجيش السورى تحركا مشابها صوب الجولان، طبقا لخطة عسكرية مشتركة متفق عليها سلفا بين القيادتين المصرية والسورية.

ومع توالى أخبار استسلام المواقع الإسرائيلية راحت أسطورة الجيش الذى لا يُقهر تتهاوى، وبدأت الشعوب العربية تستعيد ثقتها فى نفسها، وتحس بطعم انتصار كبير حل محل مرارة هزيمة يونيو النكراء عام ٦٧. وخلف مسرح قتال واسع، امتد من مشارف القاهرة حتى مشارف دمشق، كانت الأمة العربية، شعوبا وحكومات، تقف كلها صفا واحدا وراء جيوشها المقاتلة. فما هى إلا أيام قليلة حتى دخل النفط سلاح المعركة، مضيفا إلى قوة الأداء القتالى بعدا استراتيجيا بالغ الأهمية، ومؤكدا بما لا يقبل مجالا للشك أن إرادة أمة عظيمة قد توحدت وباتت مصممة على تحقيق النصر.

غير أن الرياح ما لبثت أن سارت فى اتجاه معاكس لكل ما تشتهى سفن الشعوب المطالبة بالحرية والاستقلال. ولأن النتائج التى نراها بعد ٣٧ عاما من ذلك اليوم المشهود لا تتسق أبدا مع مقدماته، أظن أنه بات لزاما علينا أن نفسر لجيل الشباب، الذى لم يعايش بنفسه تلك الصفحة المجيدة من تاريخ أمته، أسباب تلك المفارقة الهائلة.. ولإدراك حجمها وطبيعتها أدعو هذا الجيل لتأمل الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: أن الإنجاز الذى تحقق فى ٧٣ لم يكن مصريا خالصا، وإنما كان عربيا بامتياز. فقد كانت سوريا شريكا فى الحرب، وظلت وحدات عسكرية من أقطار عربية عديدة ترابط فى منطقة القناة منذ ٦٧، وشارك بعضها فى معارك ٧٣، وقامت الدول العربية النفطية بتعويض مصر عن الخسائر الناجمة عن إغلاق قناة السويس، وموّلت صفقات سلاح عديدة قبل الحرب، ثم استخدمت سلاح النفط أثناء المعركة. وبعد الحرب رفع السادات شعار «مصر أولاً» (وكأن مصر تحارب من أجل العرب وليس دفاعا عن أمنها)، لينتهى بها المطاف ببيع الغاز لإسرائيل بثمن بخس.

الحقيقة الثانية: أننا حاربنا وانتصرنا بسلاح سوفيتى. وبعد الحرب رفض السادات أى دور للاتحاد السوفيتى، ومنح الولايات المتحدة تفويضا باحتكار عملية التسوية، لنصبح على أعتاب تسوية بالشروط الإسرائيلية وكأننا هُزمنا تماما فى الحرب.

الحقيقة الثالثة: لعب القطاع العام الدور الأساسى فى تعبئة الموارد اللازمة لخوض الحرب. وبعد الحرب بدأ السادات سياسة الانفتاح الاقتصادى، ثم أكمل مبارك ببيع القطاع العام وخصخصة النشاط الاقتصادى، لينتهى الأمر باقتصاد تابع مكّن لشريحة اجتماعية صغيرة الاستيلاء على معظم ثمار النصر، وأدى إلى فجوة هائلة فى توزيع عوائد التنمية، وخلل كبير فى جداول الرواتب، وحجم بطالة غير مسبوق.

مقدمات ما جرى تشير إلى أن مصر على أعتاب مرحلة جديدة تنعم فيها بالسلام والاستقرار والرخاء، بينما النتائج العملية لما يجرى تقول إن السلام والرخاء لم يكونا أبعد منالاً مما هما عليه الآن. لذا علينا أن ندرك أن شيئا خطيرا وقع مكّن عملاء الداخل، بالتعاون الوثيق مع لصوص الخارج، من إسقاط عناصر القوة التى صنعت النصر.

أما الدروس التى يتعين علينا استيعابها بعد ٣٧ عاما مما جرى فى ذلك اليوم المجيد، فهى كثيرة. أولها: أن إسرائيل كانت ولاتزال هى العدو، ولن يكون لمصر عدو سواها، وثانيها: أن الأمة العربية هى عمق مصر الطبيعى، ولا قيمة لأى منهما بدون الآخر، وثالثها: أن المواطنة والعدالة الاجتماعية قيمتان لا غنى عنهما لبناء دولة مصرية حديثة قادرة على مواجهة تحديات الداخل، وفى مقدمتها الفتنة الطائفية، وتحديات الخارج، وفى مقدمتها، المشروع الصهيونى.

((منقول))


الجمعة، 16 أكتوبر 2009

حرب أكتوبر 1973م تحرير أم تحريك-2

عفـوا جنــرالات الفضائيـــات
أربعة آلاف قتيل صهيوني وجرحي وأسري‏..‏
وطائرات وقعت ودبابات ولعت وجيش لا يقهر انفضح‏..‏
وتسألون تحريك أم تحرير؟‏!‏
بقلم : إبـراهيـم حجـازي‏

**‏ بعد‏36‏ سنة مرت علي حرب أكتوبر‏..‏ جنرالات المقاهي وجدوا ضالتهم في الفضائيات الشقيقة ليناقشوا حرب هي أم لا وتحريك أم تحرير؟‏.‏

لا اعتبار للشهداء الذين قدموا حياتهم دفاعا عن قضية وأرض وعرض ولا وزن للمعارك الشرسة التي دارت وملاحم الشجاعة والفداء والرجولة التي حدثت والإصابات التي تركت بصمتها علي مقاتلين فقدوا أجزاء من أجسامهم وارتوت الأرض بدمائهم فداء للوطن في حرب العزة والشرف والكرامة‏...‏

أخطر ما في هذه القضية أن ملايين الشباب في الأمة لا يعرفون شيئا عن حرب أكتوبر وملاحم الشجاعة الهائلة التي شهد لها العدو وقتها ويشكك فيها بعض الأشقاء الآن وكأنه يعز عليهم أن يبقي في تاريخنا رمز لم يتم تشويهه‏!.‏

لهذا السبب استعرضت الأسبوع الماضي كيف انتقلنا من مرحلة هزيمة وانكسار في‏1967‏ إلي إعداد واستعداد لليوم القادم حتما‏!.‏ عرضت سريعا مرحلة تهدئة الجبهة عقب هزيمة‏5‏ يونيو ومرحلة الرد بحذر من نوفمبر‏1967‏ ثم حرب الاستنزاف من‏7‏ مارس‏1969‏ وحتي‏8‏ أغسطس‏1970‏ ومرحلة الإعداد النهائي للحرب واستمرت‏38‏ شهرا ثم شرحت الموقف علي الجبهة في أخطر ساعات سبقت الحرب ابتداء من‏4‏ أكتوبر‏1973‏ وحتي فجر يوم‏6‏ أكتوبر الذي شهد بزوغه إتمام دخول صواريخ الدفاع الجوي إلي مواقعها في الليل وكانت ختام الاستعداد‏!.‏ وضحت أنه علي الجبهة خمس فرق وثلاثة ألوية و‏2000‏ مدفع علي امتداد‏160‏ كيلو من السويس وحتي بورسعيد وعلي أرض المطارات‏220‏ طائرة جاهزة للقيام بواحدة من أهم ضربات الطيران في تاريخ الحروب‏!.‏

قلت إن خطة خداع العدو أذهلت العالم كله وعنصر المفاجأة كان مفاجأة للعدو ولكل الدنيا وأكدت أن موشي ديان وزير دفاع العدو حضر صباح‏6‏ أكتوبر للجبهة بعد تلقي إسرائيل معلومة بأن المصريين سيشنون حربا شاملة يوم‏6‏ أكتوبر وحضر ديان وشاهد بنفسه الجبهة ولم يجد علي الضفة الغربية للقناة شيئا واحدا يوحي بأن المصريين سيحاربون وعاد إلي تل أبيب وأكد لهم هناك أن الجبهة هادئة ولم يكن يدري أنه الهدوء الذي يسبق هجوما كاسحا بضربة جوية مميتة دمرت مركز قيادة العدو في سيناء وكل الاحتياطيات الموجودة في سيناء والمدفعية أطلقت في‏53‏ دقيقة ثلاثة آلاف طن ذخيرة ولنا أن نتخيل الهلاك الذي أنزلته بالعدو وتحت السماء لا تري زرقتها من تتابع دانات المدافع بدأ اقتحام المشاة للقناة وتلك وحدها أسطورة لأنه مع أول ضوء يوم‏7‏ أكتوبر كان علي أرض سيناء‏2000‏ دبابة و‏80‏ ألف مقاتل وأعتذر هنا عن خطأ غير مقصود الأسبوع الماضي في العنوان الذي قال إنهم‏100‏ ألف مقاتل‏...‏

خلال‏16‏ ساعة من الثانية بعد ظهر‏6‏ أكتوبر وحتي السادسة صباح‏7‏ أكتوبر اقتحم القناة‏80‏ ألف مقاتل مصري و‏2000‏ دبابة خلاف أعداد لا حصر لها من معدات وعتاد وذخيرة ومؤن ومياه وسيارات‏..‏ ويقيني ويقينكم أنها مسألة مستحيلة ولو فكرنا في نقل‏80‏ ألف شخص فقط بقوارب ومعديات من شرق النيل إلي غربه أو العكس فالمؤكد أن الأمر سيستغرق وقتا أطول وهذا يوضح عبقرية تخطيط وشجاعة مقاتلين يستحيل إغفالها أو التشكيك فيها‏..‏ ما علينا وأعود إلي ما انتهيت إليه الأسبوع الماضي يوم‏7‏ أكتوبر وقبل الحديث عن تفصيلات ما حدث في هذا اليوم والأيام التالية أستأذن حضراتكم أن أستعرض سريعا أهم ما قام به جيش مصر من إغارات وعمليات وكمائن واشتباكات مع العدو والخسائر التي أوقعها بالعدو خلال حرب الاستنزاف التي كانت جزءا أساسيا من خطة حرب أكتوبر وبعدها نعرف معا ماذا حدث في أكتوبر‏:‏

‏1‏ـ جيش مصر نفذ بنجاح‏54‏ إغارة وكمينا علي العدو منها عشر إغارات داخل إسرائيل‏!.‏

‏2‏ـ المدفعية نفذت‏4110‏ اشتباكات مع العدو وشهر أكتوبر‏1969‏ سجلت فيه المدفعية المصرية أعلي معدلاتها وضربت العدو‏462‏ مرة وأي اشتباك لم تقل الوحدات المشاركة فيه عن ثلاث كتائب مدفعية‏..‏ أما القناصة والأسلحة الصغيرة فلم تتوقف لحظة علي مدار اليوم طوال حرب الاستنزاف وقطعت رجل العدو علي الضفة الشرقية للقناة بنظرية‏'‏ اللي يفوت يموت واللي تراه العين يراه القبر‏!.‏

‏3‏ـ القوات البرية المصرية تفوقها حاسم علي العدو ويشهد علي ذلك خط بارليف الذي تدمر تماما خلال حرب الاستنزاف وتم بناؤه بتكلفة‏242‏ مليون دولار حسبما قالوا هم والخبراء الذين حضروا وقتها للبناء من أمريكا وفرنسا وبلجيكا‏..‏ وبعد حرب الاستنزاف أعيد بناء خط بارليف بتكلفة‏500‏ مليون دولار والرقم وفقا لتصريحاتهم‏.‏

‏4‏ـ حتي‏20‏ يوليو‏1969‏ طيران العدو يضرب علي الجبهة فقط والطيران المصري مع الدفاع المصري لم يمكنوه من إصابة أي أهداف علي امتداد الجبهة وهذا ما دفع الصهاينة إلي الإعلان عن خطة الضرب في العمق ضد الأهداف المدنية ونفذوا‏35‏ غارة جوية من يناير وحتي شهر يونيو سنة‏1970‏ وفي أسبوع واحد فقط اصطدناهم بعد أن اكتملت منظومة الدفاع الجوي وخلال الأيام من‏30‏ يونيو وحتي‏5‏ يوليو‏1970‏ أسقطنا‏20‏ طائرة سبع منها وقعت عندنا وأسرنا أربعة طيارين‏.‏

‏5‏ـ أشهر أسير للعدو هو النقيب دان أفيدان واصطاده كمين لقوة من الفرقة الثانية شرق سرابيوم اقتحمت القناة وعادت به وقامت الدنيا هناك لوقوعه في الأسر لأنه قريب رئيسة الوزراء جولدا مائير التي جعلت دولا كثيرة تتوسط للإفراج عنه إلا أنه بقي في الأسر إلي ما بعد حرب أكتوبر وخرج مع بقية الأسري‏!.‏

‏6‏ـ أهم عمليات الإغارة التي أوقعت خسائر فادحة بالعدو تلك التي تمت علي لسان بورتوفيق وخسر فيها العدو‏37‏ قتيلا بخلاف الجرحي وتدمرت أربع دبابات وعادت قوة الصاعقة التي نفذت الإغارة بجوز أسري وتلك العملية غاية في الجرأة لأنها إغارة صاخبة استخدمت فيها لنشات وليس قوارب وسبقتها تحضيرات مدفعية وتمت في النهار وفعلنا ما فعلناه جهارا نهارا والرسالة وصلت واضحة بأنه لا نهار ولا ليل ولا مانع مائي ولا بارليف ولا دبابات ولا كل سلاح الدنيا يحميهم أو يمنع وصولنا إليهم‏!.‏

‏7‏ـ أشهر اقتحام للقناة من حيث عدد المقاتلين المصريين نفذته كتيبة مشاة بالكامل من الفرقة‏18‏ في سبتمبر‏1969..‏ اقتحمت القناة جنوب منطقة البلاح واحتلت مساحة كبيرة من الأرض في سيناء لمدة‏48‏ ساعة ولم يتمكن العدو من الاقتراب منها وعادت بعدما صدرت إليها الأوامر بالعودة للغرب‏..‏ وهذه العملية الجريئة في ذلك الوقت أوضحت الكثير من النقاط الخاصة بعملية الاقتحام بأعداد كبيرة من المقاتلين إضافة إلي أنها تطعيم للمقاتل المصري علي اقتحام القناة‏..‏ عملية ترفع الهمم في غرب القناة وتخسف بالروح المعنوية للعدو في الشرق‏!.‏

‏8‏ـ أهم عملية جوية نفذها نسور الجو المصريون في‏11‏ سبتمبر‏1969‏ بضربة جوية جاءت نسخة مصغرة لضربة‏6‏ أكتوبر وفيها اخترقت طائرات مصر الحربية حاجز الصوت فوق القناة ودمرت جميع الأهداف المحددة لها في سيناء وعادت جميعها سالمة إلي قواعدها‏.‏

‏9‏ـ القوات البحرية نفذت عمليتين تكلم عنهما العالم كله‏!.‏ رجال الضفادع البشرية المصريون فعلوا ما لم يحدث من قبل في العالم كله‏..‏ أغاروا علي ميناء إيلات ثلاث مرات ومعروف أن الضفادع إن اقتحمت مكانا لا تعود له لأنه سيكون في انتظارها ألغام وكمائن ومصائب الدنيا‏..‏ لكن صاعقة مصر البحرية قلوبهم لا يعرف الخوف طريقا إليها وأغاروا علي إيلات في نوفمبر‏1969‏ وفي فبراير‏1970‏ ثم يونيو‏1970‏ ونسفوا الميناء في واحدة من أهم عمليات الضفادع البشرية في تاريخ الحروب‏.‏

والعملية الثانية نفذتها الصاعقة البحرية مع المخابرات العامة المصرية التي رصدت حفارا عملاقا اسمه كيتين في ساحل العاج والعدو استعان به لأجل القيام بعمليات تنقيب عن البترول في خليج السويس والذي قرره الصهاينة غطرسة وغرور وبجاحة لكنهم وقعوا في أيدي المخابرات العامة التي لا ترحم في مثل هذه الأمور ووضعت خطة محكمة تم تنفيذها باقتدار والحفار العملاق راقد من فبراير‏1970‏ في قاع البحر بساحل العاج بعملية عرفت بعدها أجهزة المخابرات العالمية أن في مصر أمنا قوميا يده تطول ما بعد الحدود بحدود وحدود‏!.‏

‏10‏ـ الشاطئ الآخر من خليج السويس من شرم الشيخ حتي رأس سدر ومن سبتمبر‏1969‏ إلي‏7‏ أغسطس‏1970..‏ تحت السيطرة الكاملة لنا لأن في مصر أسطورة اسمها المجموعة‏39‏ وهم مقاتلون من طراز لا مثيل له في العالم ويقودهم أسطورة شجاعة اسمها إبراهيم الرفاعي‏!.‏

‏11‏ ـ نحن اليوم في‏7‏ أكتوبر‏1970..‏ علي أرض سيناء‏80‏ ألف مقاتل بمواجهة‏168‏ كيلومترا من السويس وحتي بورسعيد وبعمق‏4‏ وحتي‏5‏ كيلومترات من القناة والقوات المصرية دمرت كل احتياطيات العدو وأخلت المنطقة التكتيكية من العدو فيما عدا النقاط القوية المحاصرة التي لم تسقط بعد وبحلول الليل يوم‏7‏ أكتوبر كانت قد سقطت‏18‏ نقطة والمتبقي‏13‏ فقط‏!.‏

في صباح‏7‏ أكتوبر العدو قام بضربة جوية علي نفس تخطيط ضربة‏5‏ يونيو‏1967‏ لكنها بطائرات أكثر وأحدث‏!.‏ في‏5‏ يونيو ضربة العدو الجوية دمرت جميع المطارات وأغلب الطائرات وأصبح جيش مصر في سيناء بدون غطاء جوي‏!‏ في‏7‏ أكتوبر‏1973‏ الطائرات أحدث وأكفأ وأفضل وعددها أكثر ومع هذا لم تتمكن من الوصول إلي أي مطار أو هدف حيوي لأن لمصر الآن درعا يحمي سماءها وسيفا يطول أعداءها‏!.‏ وقت العربدة في سماء مصر انتهي لأنه علي أرض مصر الآن قواعد صواريخ دفاع جوي لا ترحم ولدي مصر طيارون مقاتلون شجاعتهم نادرة وكفاءتهم مبهرة وهذا ما تأكد العدو منه في الجحيم الذي حققته ضربة‏6‏ أكتوبر الجوية وفي الكمائن التي نصبتها الطائرات المصرية لفانتوم وميراج العدو وبحلول ليل يوم‏7‏ أكتوبر خسائر العدو في الطائرات وفقا لتصريحاتهم‏54‏ طائرة‏.‏

لم يرحل يوم‏7‏ أكتوبر قبل أن يسلمنا القنطرة شرق التي كانت عقبة ومشكلة لأن بها‏6‏ نقاط قوية متجاورة تشكل حائط صد محكما‏..‏ أربع نقاط في الوسط تحميها نقطتان علي الأجناب وكم النيران الذي تشكله النقاط الست القوية في كل الاتجاهات يجعل محاولة التفكير في الاقتراب منها نوعا من الانتحار‏..‏ ومع ذلك وقعت وسقطت النقاط الست والقنطرة بأكملها ولم تعلن القيادة الخبر إلا يوم‏8‏ أكتوبر بعد التأكد نهارا من عدم وجود جيوب للعدو في مدينة القنطرة‏!.‏

‏12‏ ـ فجر‏8‏ أكتوبر‏..‏ القوات جاهزة من ساعات الليل لصد أي هجوم مضاد من أي اتجاه ومع حلول الفجر تأكدت القيادة من أن الهجوم المضاد مجهوده الرئيسي القطاع الأوسط شمال وجنوب الإسماعيلية والموجودة فيه الفرقة الثانية بقيادة جنرال عظيم اسمه اللواء حسن أبوسعدة‏.‏

القيادة المصرية تعلم أن العدو يعتمد علي أسلوب واحد في الهجوم هو الاختراق بأقصي سرعة والدبابات سرعتها من‏40‏ وحتي‏60‏ كيلومترا وهي سرعة كبيرة جدا في عالم الدبابات بميدان قتال‏..‏ وشارون أحد صقور الصهاينة له مقولة عسكرية شهيرة‏:‏ اهجم بأقصي سرعة بحيث لا تجعل العدو ينجح في تعمير الطلقة الثانية لمدفعه‏!.‏

خطة اصطياد الصهاينة في الهجوم المضاد وضعت المشاة في النسق الأول الدفاعي والخط الثاني الدفاعي علي شكل نصف قوس وفيه الدبابات المصرية والصواريخ المضادة للدبابات لتطبق من كل جهة علي مدرعات العدو المندفعة بأقصي سرعة وهي لا تدري أنها تجري نحو هلاكها‏!.‏

ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين‏.‏ من أول نهار يوم‏8‏ أكتوبر كيسنجر يتزعم حركة عالمية لأجل عدم تدخل أي دولة في العالم ولو ببيان عما يدور في الشرق الأوسط‏!.‏ كيسنجر كل ما يريده أن يصمت الجميع إلي أن يمر يوم‏8‏ أكتوبر علي اعتبار أن القوات الصهيونية ستقوم بهجوم مضاد لا يتوقف إلا في مدينة السويس بحيث تشرق شمس يوم‏9‏ أكتوبر وجيش إسرائيل ومدرعاته في الغرب ووقتها تقول دول العالم ما يحلو لها‏!.‏ هذه الخطة‏..‏ خطة الهجوم المضاد التي وضعها الأمريكان في البنتاجون وسافر ضباط أمريكيون انضموا إلي هيئة عمليات العدو وهذا ما قاله ديفيد أليعازر في مذكراته‏!.‏ كيسنجر يوم‏7‏ أكتوبر التقي مع وزير الخارجية المصري محمد حسن الزيات فماذا حدث؟‏.‏ كيسنجر قال للزيات بالحرف الواحد‏:‏ أنصحكم بعودة قواتكم فورا للغرب لأن خسائركم ستكون فادحة‏!.‏

إذن نحن سنواجه هجوما مضادا كاسحا لن يتوقف إلا غرب القناة‏!.‏ الخطة الأمريكية تنفذها ثلاث فرق مدرعة‏.‏ الفرقة‏143‏ بقيادة شارون‏.‏ الفرقة‏162‏ بقيادة إبراهام أدان‏.‏ الفرقة‏252‏ بقيادة إبراهام ميندلر‏.‏ الخطة الأمريكية كما قال ديفيد أليعازر رئيس الأركان الصهيوني في مذكراته‏..‏ هدفها إرباك القوات المصرية بتحقيق نصر له أبعاد سياسية وإعلامية أكثر من كونه نصرا عسكريا من خلال عبور القوات الإسرائيلية إلي الضفة الغربية واحتلال مدينة السويس علي أن يتم ذلك قبل طرح الولايات المتحدة قضية الحرب علي مجلس الأمن‏!.‏ أمريكا لم تضع في اعتبارها أي وزن للقوات المصرية شرق القناة وكأنها غير موجودة أو أن اختراقها وتدميرها وعبور القناة مسألة مؤكدة‏!.‏

خطة أمريكا أن تهاجم الفرقة‏162‏ الجيش الثاني من الشمال إلي الجنوب وتهاجم الفرقة‏252‏ الجيش الثالث من الجنوب إلي الشمال علي أن تتلاقي الفرقتان عند نقطة واحدة هي الدفرسوار ومنها العبور إلي أرض أفريقيا وهو الاسم الذي يطلقه الصهاينة علي غرب القناة باعتبار شرقها أرضا آسيوية‏!.‏ أما الفرقة الثالثة التي يقودها شارون فهي علي النسق الثاني للقتال لدعم أي من الفرقتين‏!.‏ تري ما الذي جري؟‏.‏

‏13 ‏ ـ الفرقة‏162‏ تقدمت بسرعة من الشمال إلي الجنوب واخترقت النسق الأول للمشاة وهللت القيادة الإسرائيلية باعتبار الخطة نجحت‏..‏ هللت وهي لا تعلم أنه مستحيل أن تنجح لأن المواجهة من الفرقة الثانية للجيش الثاني الذي يقوده جنرال عظيم هو اللواء سعد مأمون ولأن الفرقة الثانية يقودها جنرال مصري عظيم هو اللواء حسن أبوسعدة الذي أذاق برجاله المر للصهاينة الذين تصوروا أنهم سيخترقون دفاعات المصريين ولن يوقفهم أحد‏!.‏ تصوروا هذا إلي أن وجدوا أنفسهم في أتون نيران رهيب من كل جهة بعد اختراقهم نسق المشاة الدفاعي الذي كان فخا لاستدراج الصهاينة بخطتهم الأمريكية ومدرعات العدو المندفعة بأقصي سرعة وجدت نفسها في قبضة المدرعات المصرية والصواريخ المضادة للدبابات والتي أطبقت عليها من ثلاث جهات هي جهنم الحمراء والأمر لم يستمر طويلا والخطة الأمريكية توقفت عند هذا الحد لأن الفرقة‏162‏ الصهيونية المدرعة ضاعت و‏147‏ دبابة تدمرت وأحلام الوصول إلي القناة تبخرت‏!‏ الفرقة الثانية المصرية صنعت مجدا عسكريا ما بعده مجد‏..‏ فكر وتخطيط وتنفيذ غير مسبوق وخطة استدراج العدو شربها الصهاينة وخسائر رهيبة في المعدات والأرواح والأسري لا عدد لهم‏..‏ عمركم س
معتم عن رفع كتيبة بأكملها من الخدمة بعد قتل وأسر كل ضباطها وأفرادها؟‏.‏ هذا حدث وكتيبة مدرعة صهيونية ضاعت عن آخرها وقائدها العقيد عساف ياجوري في مقدمة الأسري‏!.‏

‏14‏ ـ نهار‏8‏ أكتوبر انتهي ودبابات الصهاينة التي نفدت بجلدها من المذبحة تجري بأقصي سرعتها للشرق بعيدا عن جحيم الفرقة الثانية‏!.‏ كيسنجر عندما عرف الحقيقة قال تصريحه الشهير‏:‏ لقد حقق المصريون نصرا في الشرق الأوسط ولن تعود العجلة للوراء‏.‏ هذا التصريح جاء أول اعتراف من العالم بالانتصار المصري‏.‏

‏15‏ ـ نحن في يوم‏9‏ أكتوبر وقبل أن تشرق شمس اليوم شارون يهاجم بفرقته المدرعة الفرقة‏16‏ المصرية بقيادة جنرال عظيم هو اللواء عبدرب النبي حافظ‏.‏ شارون قام بـ‏11‏ هجوما مضادا متتاليا علي الفرقة‏16‏ ولم ينجح في اختراق متر واحد من دفاعاتها‏!.‏ شارون تدمرت له‏114‏ دبابة وانسحب بما بقي لديه من دبابات‏!.‏

‏16‏ ـ خسائر العدو الرهيبة في الأرواح والدمار الهائل في المدرعات يضاف لهما الشجاعة النادرة والكفاءة الفائقة للمصريين‏..‏ هذه العوامل مجتمعة دفعت وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان لأن يلقي خطابا في التليفزيون‏..‏ خطابا لم يذع إلا مرة واحدة وحظرت جولدا مائير رئيسة الوزراء إذاعته بل ومنعت ديان من الكلام بل وعينت متحدثا عسكريا لا أحد غيره يتكلم‏!.‏ جولدا مائير اعتبرت خطاب ديان تدميرا للروح المعنوية للشعب والجيش‏!.‏ لو المساحة تسمح لنشرت نص الخطاب لكنني أشير إلي بعض ما جاء فيه‏.‏ ديان قال‏:‏ المصريون يمتلكون أسلحة كثيرة ونحن غير قادرين علي التغلب علي دفاعاتهم وعلي أسلحتهم وعلي إسرائيل أن تنسحب بقواتها إلي أماكن آمنة وسوف أطلب العودة إلي غرب المضايق وعلينا أن نفكر في تسليح الإسرائيليين للدفاع عن أنفسهم‏!.‏

‏17‏ ـ نحن في يوم‏10‏ أكتوبر وفي هذا اليوم أسرنا دبابات بأطقمها والمفاجأة أنها كانت علي الزيرو وفي تبة الطاليا دبابة للعدو تدمرت وعدادها لم يكمل الـ‏250‏ كيلو مترا‏.‏ وهذا معناه أن استعاضة الخسائر فورية والدبابة التي نحرقها يأتي غيرها فورا والبركة في ترسانة الأسلحة الأمريكية التي فتحت جسرا جويا يعمل ليل نهار مابين أمريكا ومطار العريش‏!.‏ المهم أن العدو حاول أن يقوم بهجوم شامل علي امتداد الجبهة وفشل وفي هذا اليوم اكتمل استيلاء القوات المصرية علي مركز قيادة العدو‏..‏ تبة الطاليا وتبة الشجرة وجبل المر وجلبانة‏!.‏ في هذا اليوم عينت جولدا مائير قادة جددا في الجبهة‏!.‏ بعد يوم‏10‏ أكتوبر معارك متفرقة وسباق بيننا وبين العدو علي احتلال خط تقسيم المياه‏..‏ وهو خط وهمي علي امتداد الجبهة يمر بالهيئات الحاكمة علي مسافة من‏12‏ وحتي‏15‏ كيلو شرق القناة ويعطي فرصة لمن يحتله أن يحكم سيطرته بالنيران علي أي أراض حتي غرب المضايق علي بعد‏30‏ كيلو شرق القناة‏.‏

العدو أسقط لواء مظليا للاستيلاء علي الكنتور‏100‏ إلا أن الفرقة الثانية احتلته قبل أن يصل المظليون إلي الأرض وانتظرتهم بنيران أبادت أغلبهم‏..‏

الهجوم المضاد الذي وضعته أمريكا فشل وخسائر الصهاينة تخطت الـ‏500‏ دبابة وآلاف الجرحي ومئات الأسري أما القتلي فالعدو يقترب من الأربعة آلاف قتيل والذي قال هذا موشي ديان في مذكراته التي قال فيها إن حرب أكتوبر تسببت في قتل واحد من كل ألف إسرائيلي ووقتها تعداد إسرائيل قارب علي الأربعة ملايين نسمة‏..‏

......‏

......‏

هذا ما حدث في الاستنزاف وأكتوبر وهذا ما يشككون الآن فيه علي الفضائيات‏...‏

طيب‏..‏ لو كانت تمثيلية فهل شارك الصهاينة فيها بأربعة آلاف قتيل؟

كل هذه الانتصارات الهائلة لنا وكل هذه الخسائر الفادحة لهم ويقولون‏:‏ تحريك أم تحرير؟

يا حبيبتي يا مصر‏...‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية

حرب أكتوبر 1973م تحرير أم تحريك-1

كتب الصحفي إبراهيم حجازي مقالا غاية في الأهمية تحت عنوان :"عفوا جنرالات

الفضائيات " كتب يقول :"أن يكره الصهاينة شهر أكتوبر لأنه يذكرهم بسقوط

أسطورة الجيش الذي لا يقهر..فهذا أمر طبيعي..ومنطقي..

أما أن يشكك جنرالات الكلام (الأشقاء)من بعض البلاد العربية في بعض الفضائيات

الشقيقة -يشككون -وبعد 36سنة مرت على أعظم انتصار -فهذا غرض والغرض مرض

والعياذ بالله.

هؤلاء يعلمون أن أجيالا تضم الملايين من أبناء الأمة لا يعلمون شيئا عن حرب أكتوبر

فكل من هم أقل من 45سنة لم يعايش هذه المرحلة ، ولم يعرف شيئا عن أعظم ما في

تاريخ مصر الحديث من عبقرية فكرت وخططت وقلوب شجاعة نفذت ....

هذه الأسطورة الحربية الفذة لم تجد من يجسدها في سينما الواقعية لأن السينما كما هو

واضح مشغولة بالجنس والأجسام العارية والنماذج الفاسدة...

بعض الاشقاء الذين تملك الغرض منهم يعلمون أن أجيالا‏بأكملها

لا تعلم شيئا عن حرب أكتوبر‏!‏ ومن ثم فكرة التشكيك يمكن تمريرها‏.

.‏ ومعركة الشرف التي في سبيلها ضحي آلاف الشهداء بأرواحهم باتت قضية مشكوكا

فيها وعليها خلاف‏!.‏

الذين أعمي الحقد علي مصر قلوبهم قبل عيونهم يطرحون الآن تساؤلا يقول‏:‏

حرب أكتوبر تحريك أم تحرير؟‏.‏

معني الكلام أنها لم تكن حربا ولا يحزنون إنما تمثيلية متفق عليها‏!.‏

التساؤل المريض لا يستحق ردا أو حتي توضيحا إنما عليه تعقيب‏,‏ في النهاية

لأن البداية للفخر والعزة والكرامة والرجولة والشجاعة والنخوة‏..‏ لحرب أكتوبر

تعالوا نعرف ماذا حدث والذي حدث الحقيقة ولا شيء غيرها وهو رائع وهائل

وعظيم وأرجو أن أوفق في عرضه علي حضراتكم من خلال هذه النقاط‏:‏

‏1 -‏ نحن في يونيو‏1967‏ والشهر والسنة بل والدنيا كلها شاهد علي أقسي

هزيمة يمكن أن تلحق بجيش في حرب‏!.‏

دول كثيرة في العالم عاشت حالة شماتة غريبة في هزيمتنا وأولها المعسكر

الغربي وهذا متوقع لكن الصدمة والقرف والمفاجأة كانت من بعض الأشقاء

في بعض دول المعسكر العربي الذين أسعدتهم هزيمة جيش مصر ووقوع مصر

‏,‏ ووقتها جنرالات المقاهي الأشقاء هللوا للهزيمة لم يبرروا ولم يشككوا في

الهزيمة لأنها بالنسبة لهم غاية المراد من رب العباد‏!.‏

‏2-‏ أصعب ما يواجه دولة تلك الفترة التي تعقب حربا انتهت بهزيمة وهي في

حالتنا ليست أي هزيمة لأنها أسفرت عن احتلال سيناء بأكملها وجاءت بالعدو

علي قناة السويس التي أصبحت الحدود وباتت خط النار‏!.‏ الناس وقتها مصدومة

غير مستوعبة لأنها عاشت سنوات قناعتها أن أمريكا نفسها تنهزم من مصر‏!.‏

الأصعب الذي واجهته مصر بعد الهزيمة‏..‏ انعدام الثقة وتهلهل معنويات جيش

وشعب‏!‏ الصعب عقب أي حرب هو تعويض السلاح والذخيرة والعتاد‏,‏ وهذا الصعب

في حالتنا يصبح مستحيلا لأن ما كان لدينا من سلاح وما تبقي عندنا من سلاح هو

في الواقع سلاح انقرض وتخطاه الزمان لأنه من بقايا أسلحة الحرب العالمية الثانية

وتخطاه الزمان بزمن والمطلوب سلاح حديث متطور وليس استكمال ما فقدناه من

سلاح قديم‏!.‏ والمستحيل الآخر أنه لا أحد في العالم يريد بيع سلاح لنا وفقا لاحتياجاتنا

وما يطلبه جيشنا وما تفرضه المواجهة مع عدو مفتوحة له وأمامه ترسانة سلاح

أوروبا الغربية وأمريكا‏!.‏

جنرالات المقاهي الأشقاء انشغلوا بالشماتة في مصر ولم يروا كيف أن مصر بدأت

من تحت الصفر مرحلة الإعداد والاستعداد ليوم هو آت لا محالة‏!.‏

‏3 -‏ أول مرحلة في رحلة استعادة الوعي والإعداد كانت قرار تهدئة الجبهة وضبط

النفس وعدم الاستدراج لأي مناوشات وهذه المرحلة بدأت من بعد‏11‏ يونيو‏1967!.‏

المرحلة الثانية بدأت في‏24‏ نوفمبر‏1967‏ وهي الرد بحذر وكان لابد منها لأن قرار

تهدئة الجبهة خنق قواتنا الموجودة علي القناة التي تريد الرد علي الاستفزازات‏!.‏

الرد بحذر حدد سلطات كل قيادة في الرد والاشتباك حتي لا تتحول الأمور في لحظة

إلي مواجهة علي طول الجبهة‏!.‏

التهدئة والرد بحذر جعلا الصهاينة يتمادون وفي فبراير‏1969‏ بدأت حملة استفزاز

سياسية بتصريحات للصهاينة عن أن القناة هي خط الهدنة الجديد وظهر في القناة

لأول مرة قوارب للصهاينة كاختبار لقبول المصريين بالأمر الواقع‏!.‏

‏4 -‏ الرد المصري جاء سريعا وحازما وحاسما يوم‏8‏ مارس‏1969‏ التي قررت مصر

فيه بدء حرب الاستنزاف‏!.‏ الاستنزاف بعمليات تسخين تصاعدت إلي أن أصبحت سيناء

جهنم حمراء‏!.‏ حرب الاستنزاف أدارتها مصر بكفاءة كاملة وظلت مقصورة علي القوات

البرية من‏8‏ مارس وحتي‏20‏ يوليو‏,‏ إلا أن إسرائيل لم تتحمل الخسائر المتوالية لقواتها

والرعب الذي أصبح علي مدار ساعات اليوم من عملية كوماندوز‏,‏ ولهذا أقحمت سلاح

الطيران في الحدوتة متوقعة أننا لن نفعل لكننا فعلناها والعين بالعين‏!.‏ إسرائيل استخدمت

الطيران علي الجبهة علي أمل إضعاف الروح المعنوية بالفانتوم والصواريخ ونحن

استخدمنا الطيران وضربنا قواتهم في أماكن أوجعتهم ولم يكونوا يتصورون أن

يقتحمها نسور الجو المصريون‏!.‏

‏5-‏ في‏7‏ يناير‏1970‏ الصهاينة نفذوا الخطة بريما وهي ضرب المدنيين المصريين

والمنشآت الحيوية في العمق علي أمل إجهاض الروح المعنوية للشعب لأجل أن

ينقلب علي الدولة وعلي الجيش‏..‏ ومصر قامت بالرد وفي العمق‏!.‏ الصهاينة

خسروا أكثر مما كسبوا والتعبئة التي ظلت معلنة منذ بدأت حرب الاستنزاف

قصمت ظهر الصهاينة‏.‏

‏6-‏ يوم‏8‏ أغسطس‏1970‏ أعلنت مصر وقف حرب الاستنزاف التي استمرت‏500

‏ يوم لتبدأ مرحلة الإعداد النهائي للحرب وكانت‏38‏ شهرا هي المسافة من

‏8‏ أغسطس‏1970‏ وحتي‏6‏ أكتوبر‏1973.‏

‏7-‏ الـ‏38‏ شهرا إعداد نهائي المبذول فيها من فكر وجهد يفوق الخيال‏!.‏ ما من

أرض في مصر لها تضاريس مشابهة لأرض المعركة المتوقعة‏..‏ إلا وشهدت

تدريبات ومناورات وحكايات‏!.‏ المهندسون يتدربون علي النيل وفروعه في مد

الكباري وخلافه‏!.‏ رجال المدرعات يدركون أن التدريب ليل نهار السبيل الوحيد

لأجل تعويض الفارق الهائل بين كفاءة وإمكانات دبابات العدو ودباباتنا‏..‏ ونجحوا‏!.‏

المدفعية حدوتة مصرية هائلة والدفاع الجوي الذي فاجأ الروس أنفسهم باستيعاب

تكنولوجيا الصواريخ المتطورة بل وتطويرها‏..‏ ونسور الجو المصريون الذين

يعلمون فارق الإمكانات الهائل لطائرات العدو لكنهم عوضوه بفارق التدريب الهائل

وفارق الشجاعة المذهل الذي يمتلكونه‏..‏ قوات المشاة عصب الجيش وكل جيش

والذين حطموا كل الأرقام المتعارف عليها عسكريا في عدد ساعات التدريب والقوات

الخاصة في معقلها بأنشاص وفي أي مكان تتمركز فيه جاهزة علي مدار اللحظة

للتحرك والاشتباك والانتصار في أي مكان‏...‏

‏8-‏ نحن في يوم‏4‏ أكتوبر‏1973‏ وفي هذا اليوم بدأت خطة تجميع القوات للهجوم‏..‏

قوات قادمة من القاهرة وأخري من النسق الثاني وكلتاهما تنضم للنسق الأول في

عدد هائل من المواقع التبادلية والهيكلية‏.‏

جميع القوات تتحرك ليلا بدون إضاءة‏..‏ كل وحدة تدخل موقعها وتتمركز فيه ليلا‏..‏

وتلك المواقع من قبل خالية وهيكلية وطائرات استطلاع العدو وأقمار التجسس

الأمريكية تعرف أنها مواقع لا قوات فيها ولا حركة بها من وقت طويل‏...‏

ملاحظة‏:‏ عنصر المفاجأة هو العمود الفقري لخطة حرب أكتوبر تحديدا وبدون

المفاجأة مستحيل أن يتحقق انتصار علي عدو لديه ألف بديل لصد أي محاولة

اقتحام للقناة وإنزال خسائر فادحة مميتة بمن يحاول الاقتراب من القناة وليس

اقتحامها ولذلك عملية الانتصار مرهونة تماما بقدرة المصريين علي نقل قواتهم

من مرحلة الدفاع إلي الهجوم دون أن يعرف العدو‏,‏ وهي مسألة تكاد تكون

مستحيلة لأننا نتكلم عن تحريك قوات تصل إلي‏100‏ ألف مقاتل ومدافع ودبابات

وذخائر ومؤن ووقود ومياه‏..‏ كلها تنتقل من حال إلي حال دون أن ترصدها أقمار

التجسس الأمريكية ودون أن يلحظها العدو‏!.‏

‏9 -‏ ليلة‏5‏ أكتوبر‏..‏ تلك الليلة كانت أخطر الساعات في خطة إعادة التجميع‏,‏

كباري المهندسين التي ستقام علي القناة جاءت من القاهرة ليلا ودخلت إلي أقصي

مكان في العمق الدفاعي الذي تحملته من شهور طويلة سيارات لا حصر لها‏,‏

ومعروف للعدو أنه مكان تجميع سيارات إلا أنه في هذه الليلة خرجت السيارات

في الظلام ودخلت الكباري‏.‏

صواريخ الدفاع الجوي دخلت مواقعها في النصف الثاني من هذه الليلة وهي

المواقع الهيكلية ذات التمويه الرائع والتي يعرف العدو أنها خالية لكنها عمرت

في أربع ساعات وباتت أقوي خط دفاع جوي بالصواريخ‏!.‏

‏10 -‏ مع أول ضوء يوم‏6‏ أكتوبر انتهت بنجاح خطة إعادة التجميع وخدمة القائد

وجيش مصر جاهز لاقتحام القناة في الوقت المحدد المتبقي عليه ساعات‏..

‏ فماذا حدث في هذه الساعات؟‏.‏

القوات التي ستهاجم رابضة في مواقعها بينما القوات التي ستبقي في الغرب

للدفاع أخذت حرية الحركة لتعيش حياتها علي الشاطئ الغربي للقناة كأي يوم

عادي علي مرأي من نقاط ملاحظة العدو‏!.‏ عساكر بأفرولات عادية وأحذية كاوتش

تتحرك هنا وهناك وعساكر تغسل ملابسها وأخري تلعب كرة واليوم مثل أي يوم‏...‏

‏11 -‏ التلقين بأوامر الحرب تم في الثانية عشرة ظهرا يوم‏6‏ أكتوبر‏..‏ في هذه

الساعة الضباط يبلغون جنودهم بساعة الصفر‏,‏ التعليمات دخول كل المقاتلين

إلي الملاجئ والمواقع الخاصة بهم ويحظر علي أي مقاتل الخروج بخوذة

أو شدة قتال إمعانا في السرية‏!.‏

‏12-‏ نعود للوراء‏60‏ دقيقة والساعة الآن الحادية عشرة من صباح‏6‏ أكتوبر

وإشارة عاجلة للقيادة من نقطة ملاحظة مصرية رصدت تحركات في شرق

القناة بقيادة المنطقة الجنوبية للعدو ورجال المخابرات الحربية والاستطلاع

رصدوا وأكدوا وجود موشي ديان وزير الدفاع ومعه الجنرال جونيت قائد

الجبهة ووصل الأمر للاستئذان بإطلاق النار عليهما وجاءت التعليمات

بالرفض القاطع حتي لا ننسف عنصر المفاجأة‏...‏

وزير الدفاع الإسرائيلي حضر إلي الجبهة ليتأكد بنفسه من صحة معلومة

غاية في السرية وصلت إسرائيل بأن المصريين سوف يقتحمون القناة

يوم‏6‏ أكتوبر في حرب شاملة علي طول الجبهة‏.‏ موشي ديان حضر وشاهد

وعاين واقتنع بأن معلومة الحرب وهم والذي رآه في الجبهة يؤكد استحالة

قيام حرب‏!.‏ من الذي أبلغ إسرائيل بقرار الحرب الذي أخذته مصر‏..‏

سؤال أطرحه علي الجنرالات الأشقاء؟‏.‏

ملاحظة‏:‏ كيسنجر وزير خارجية أمريكا في تعليقه علي النجاح المبهر للمصريين

في تحقيق عنصر المفاجأة بخطة تمويه عبقرية استغربها موشي ديان نفسه‏..‏

الوزير الأمريكي قال‏:‏ الإسرائيليون رأوا الأشجار ولم يروا الغابة‏!‏

‏13 -‏ الإصرار علي عنصر المفاجأة لماذا؟‏.‏ لأن خطة الحرب التي وضعها القادة

المصريون تعتمد علي حتمية تأخير الصهاينة للتعبئة لمدة يوم علي الأقل لنحرمهم

من خطتهم الدفاعية في سيناء وهذه مسألة فاصلة‏!.‏ ليه؟‏.‏

لأن خط بارليف يتكون من‏31‏ نقطة قوية وكل نقطة قوية مساحتها‏40‏ ألف متر مربع

لأنها‏200*200‏ متر‏..‏ وهذه النقاط القوية مطلوب حصارها وإسقاطها في الساعات

الأولي للقتال لأنها لو استخدمت أسلحتها فستدمر الدنيا‏!.‏

ولأن خط المواجهة علي القناة طوله‏168‏ كيلو مترا ويوجد علي امتداده مرابض

للدبابات أي مصاطب من الخرسانة تستخدمها الدبابات لإطلاق نيرانها علي القادمين

من الغرب والمهم معرفة أنه كل‏100‏ متر يوجد مربض دبابات علي امتداد

الـ‏168‏ كيلو مترا‏,‏ وأن هذه المرابض تتم حمايتها بنيران النقاط القوية الـ‏31‏

والأهم بالنسبة لنا ألا تصل هذه الدبابات من الاحتياطيات إلي المرابض وأن

تسقط النقاط القوية‏..‏ والمفاجأة لها دور والعبقرية المصرية لها كل الأدوار‏!.‏

‏14 -‏ اقتحام القناة من الغرب إلي الشرق وسيلة تبدأ بعدها الغاية‏..‏ ولذلك

عبقرية القادة المصريين تجلت في عنصر المفاجأة لأنه جعل اقتحام القناة آمنا

وهو الذي قالت عنه كتب العسكرية سيكلف الجيش المصري في أول يوم

قتال‏65‏ بالمئة خسائر في الأرواح أي كل‏100‏ مقاتل يقتل ويصاب‏65‏ منهم

يعني انتحارا جماعيا في مياه القناة في أول يوم وقبل أن نصل إلي أرض سيناء

التي نريد تحريرها‏!.‏ عبقرية الخطة التي لم يستوعبها الجنرالات الأشقاء

في الفضائيات أن يكون اقتحام القناة آمنا ولن يكون إلا بالمفاجأة لأن

الحرب في الشرق ولابد أن يصله المقاتل سالما‏!.‏

فلسفة الخطة المصرية أنه إذا وضعنا أقدامنا في شرق القناة وسيطرنا علي

منطقة بعمق خمسة كيلو مترات علي امتداد الـ‏168‏ كيلو مترا نكون قد

ضمنا الانتصار علي العدو بنسبة‏90‏ بالمئة وإذا وصلنا إلي عمق‏8‏ كيلو مترات

علي امتداد الجبهة قبل أن يبدأ الهجوم المضاد نكون قد حققنا الانتصار

بنسبة مائة في المائة‏..‏ وهذا ما حدث‏!.‏

‏15-‏ الموقف بصورة أخري يوم‏6‏ أكتوبر‏..‏ لدينا قرابة الـ‏220‏ طائرة نفذت

الضربة الجوية وهذه الضربة قصمت ظهرهم بكل ما تحمله الكلمة من معني‏!.‏

علي امتداد الجبهة‏2000‏ مدفع أطلقت في‏53‏ دقيقة ثلاثة آلاف طن ذخيرة

والـ‏53‏ دقيقة محسوبة بدقة بالغة وتمثل الفترة الزمنية الكافية لاقتحام النسق

الأول للقناة وتحركه في سيناء للمسافة المتفق عليها والمحددة وفقا لطبيعة

الهيئات الأرضية الحاكمة وقبل حلول الليل‏.‏

ضربة الطيران وتمهيد المدفعية دمرت احتياطيات العدو القريبة فلم تحضر

دبابة إلي مربض وهذا انتصار هائل‏.‏

‏16-‏ النسق الأول ضم خمس فرق مشاة‏,‏ إضافة إلي ثلاثة ألوية اثنان منها

مدرعان والثالث برمائي‏.‏ بدأ اقتحام المشاة للقناة الساعة الثانية و‏18‏ دقيقة

علي‏12‏ موجة والفاصل بين كل موجة والأخري‏15‏ دقيقة‏.‏

بدأ سلاح المهندسين عمله في الساعة الثانية و‏40‏ دقيقة وهذا التأخير لضمان

وصول المشاة إلي مسافة‏400‏ متر علي الأقل في الشرق لتأمين المهندسين

من نيران الأسلحة الخفيفة التي أقصي مدي لها‏300‏ متر‏.‏

‏17-‏ بمجرد أن بدأت الضربة الجوية والطيران المصري فوق القناة متجها

إلي الشرق تم تدمير كل نقاط ملاحظة العدو المقامة علي أبراج عالية

والتدمير تم بنيران المدفعية المباشرة‏.‏

‏18-‏ نقاط خط بارليف الـ‏31‏ تم حصارها وبدأ التعامل معها في توقيت واحد

لأجل إرباك العدو وإجباره علي تخلي النقاط القوية عن خطة الدفاع الموضوعة

لإيقاف أي اقتحام للقناة والذي حدث أن كل نقطة انشغلت في مصيبتها والحصار

المفروض عليها لإسقاطها‏!.‏

‏19-‏ احتياطيات العدو القريبة مهمتها النقاط القوية التي كانت مهمتها ضرب كل من

يفكر في الاقتراب من القناة والعبقرية المصرية تعاملت مع الموضوع من الآخر

والاحتياطات التي ستنجد النقاط القوية انضربت والدبابات التي كانت ستذهب

للمرابض انضربت والنقاط القوية ذات نفسها محاصرة وبدأت تستسلم‏!.‏

‏20-‏ الطيران المصري دمر مركز قيادة العدو الرئيسي في أم خشيب ولولا

المفاجأة ولولا الشجاعة ولولا الفكر والتخطيط والتنفيذ ما أصاب الشلل جيش

الصهاينة لأن مركز قيادته تدمر والمسألة لم تكن حظا إنما هي فكر وعلم

وتخطيط نجح في تعمية وشل مركز قيادة العدو من أول لحظة‏..‏ وأمريكا ذات

نفسها صرحت بأن ما فعله المصريون استفادت منه في استراتيجيتها العسكرية‏.‏

‏21-‏ طلعت شمس‏7‏ أكتوبر وعلي أرض سيناء‏100‏ ألف مقاتل مصري

وألف دبابة وآلاف المعدات وإيه؟ القوات احتلت مواقع أقربها علي بعد

خمسة كيلو مترات من القناة‏!.‏

المساحة انتهت لكن الملحمة فيها كلام استكمله الأسبوع القادم بإذن الله

ومعه التعقيب الذي أشرت إليه في البداية‏!.‏

ويبقي التقدير والإعزاز والإجلال لأرواح الشهداء علي كل أرض عربية‏...‏

وكل التحية والتقدير والحب والاحترام إلي جيش مصر العظيم في الأمس

واليوم وكل يوم‏.‏
*********************************************
وللحديث بقية مادام في العمر بقية
************************************************** *********
(أهمية هذه المقالة أن صاحبها شارك فعلا في المعركة كضابط احتياط

فهي شهادة حية وتوثيق لأحداث ممن عايشها فعلا)

الخميس، 8 أكتوبر 2009

نصر أكتوبر 1973م شهادة حية

ست وثلاثون سنة مرت منذ ذلك التاريخ ،

ومازال يحرك فينا مشاعر جياشة ، تأتي ذكراه

وتذهب كل عام ، ويبقى الأثر الذي لا ينتهي ، والمحفور

في الذاكرة ، والذي يؤرخ لأصعب ست سنوات مرت علينا في

العصر الحديث ، ومازلنا رغم النصر لم نفرح فرحة كاملة فمازال

الأقصى محتلا ومازالت الحق مغتصبا ، سنوات ست كان الشعار فيها :

(لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ، كان كل شيء مجند ا لهدف واحد


هو اعادة ما سلب ، تم تهجير ثلاث مدن مكتظة بالسكان(السويس

والاسماعيلية وبور سعيد) كان تهجيرنا إلى القاهرة التي مازلت مهاجرا

فيها رغم عودة الجميع إلي مدنهم وقراهم بعد النصر،أتذكر أخي الأكبر

رحمه الله الذي حارب في اليمن ، ولولا تضحياتنا فيها رغم كل ما يقال

ما أمكننا أن نغلق باب المندب في 1973م ، ومن بعدها حتى الآن لم

يستقر القرن الأفريقي، أذكر أخي الذي واصل تأدية الواجب لأكثر من

عشر سنوات وهو مجند عادي،أذكر كل ما قيل لنا عن الخط الدفاعي

الذي أقامه اليهود في الضفة الشرقية للقناة بامتداد 170 كم ، والذي

أعد ليقاوم كل أنواع الأسلحة حتى القنابل النووية !!!!!

أذكر الساتر الترابي الذي أقيم بطول القناة والذي يرتفع لأكثر من


خمسة عشر مترا ، أذكر 65ألف أسير مصري قتلوا بعد أسرهم

في 1967م، أذكر الطيران الذي ضرب مدرسة بحر البقر الابتدائية ،

واختلطت دماء الأطفال بأوراق الدفاتر كواحدة من أسوأ المذابح البشعة،

أذكر اليأس ، والتيئيس من أنه يمكن أن تقوم لنا قائمة ، وأن علينا


الإستسلام ولعق أحذية المحتل ، وتقبيل أيدي السادة الكبار ، أذكر

التضحيات التي تمت لاقامةحائطا من الصواريخ لحماية المدن ، أذكر

فجيعة الموت المفاجيء لعبد الناصر ، وجنازيه المهيبة التي شاركت

فيها الملايين من كل أنحاء مصر والعالم، وأذكر بعض ما هتفت به


الجماهير في تلك الجنازة خصوصا قولها الغامض (يا جمال يا عود

الفل من بعدك حنشوف الذل ) كدنا نياس من كل شيء ، لكننا واصلنا

التعليم ، والتمسك بالثوابت ، ورفض أن نهزم من الداخل أو يتسرب

اليأس من رحمة الله إلينا ، وعندما دارت المعركة في 6 أكتوبر كنا

نسمع الأخبار بحذر ، ونحاول أن نتأكد من أنها صحيحة ، فنحاول

سماع المحطة الوحيدة الأجنبية المتاحة لنا (bbc) ولم نصدق أننا

نجحنا في عبور قناة السويس، والتغلب على قاذفات اللهب التي كانت

ستشعل سطح القناة ، وقهرنا الساتر الترابي ، ودمرنا تحصينات

بارليف ، وتفوقنا بالسلاح المتواضع على كل الأسلحة الحديثة ،

ولأول مرة يواجه الجندي الدبابة ويدمرها بسلاحه الشخصي-لم نكن

نصدق ذلك أول الأمر ومع مرور الساعات و الأيام تأكدنا من اننا حققنا

معجزة على كل المستويات ، ورغم كل ما قيل آخر الحرب عن (ثغرة

الدفرسوار) والعبور المضاد إلى غرب القناة ، والفشل في احتلال أي

مدينة من مدن القناة ، وحصار الثغرة ، والاستعداد للقضاء عليها

وإيقاف اطلاق النار ، وبدء المفاوضات لاستعادة الأرض ، ورغم كل


ذلك بقينا على أعلى درجات الاستعداد ، أذكر أننا كنا عندما دخلنا

المرحلة الثانوية ارتدينا الزي العسكري ، وكان ضباط الجيش

يدربوننا على استخدام السلاح وكيفية حماية المدن والمرافق ،

أذكر عودة سيناء كلها لنا ، أذكر الدرس الذي تعلمناه من ذلك

النصر الذي لم يأخذ حظه من الاحتفال والتوثيق حتى الآن -هذا

الدرس الذي ملخصه أن لا يمكن أن يضيع حق وراءه مطالب،

وأن الإخلاص وحسن التخطيط من أسس النصر ، وأن الإيمان

قوة لا تقهر ، وكم من دروس تعلمناها من هذا الانتصار

ومازالت تلهمنا حتى الآن كما ألهمتنا ومازالت :بدروأحد


والأحزاب ......... واليرموك .......وحطين وعين جالوت

...أذكر من استشهدوا في هذه الحرب ومن أصيبوا ،

ومن فجعوا بفقد الأبناء والآباء ..فأتأكد من بشاعة الحرب

وأنه حتى المنتصر فيها خاسر ، وأتمنى أن تعود كل الحقوق


لأصحابها ليعم السلام الحقيقي إن شاء الله

(وكل عام وأنتم بخير)